أحمد بن محمد القسطلاني

265

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

ابن عباس ) رضي إلله عنه : ( فقمت فصنعت مثل ما صنع ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( ثم ذهبت فقمت إلى جنبه ) الأيسر ( فوضع ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( يده اليمنى على رأسي ) أي فأدارني على يمينه ( وأخذ بأُذني اليمنى ) بضم الهمزة والمعجمة حال كونه ( يفتلها ) أي يدلكها تنبيهًا عن الغفلة عن أدب الائتمام وهو القيام على يمين الإمام إذا كان الإمام وحده أو تأنيسًا له لكون ذلك كان ليلاً ( فصلَّى ) عليه الصلاة والسلام ( ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ) المجموع اثنتا عشرة وهو يقيد المطلق في قوله في باب التخفيف فصلى ما شاء الله ( ثم أوتر ) بواحدة أو بثلاث وفيه بحث يأتي إن شاء الله تعالى ( ثم اضطجع ) عليه الصلاة والسلام ( حتى أتاه المؤذن فقام فصلى ركعتين خفيفتين ثم خرج ) من الحجرة إلى المسجد ( فصلىَّ الصبح ) بأصحابه رضي الله عنهم . قيل : ويؤخذ من قراءته عليه الصلاة والسلام العشر الآيات المذكورة بعد قيامه من النوم قبل أن يتوضأ جواز قراءة القرآن للمحدث . وعورض بأنه عليه الصلاة والسلام تنام عينه ولا ينام قلبه فلا ينتقض وضوءه به وأما وضوءه فللتجديد أو لحدث آخر . وأجيب : بأن الأصل عدم التجديد وغيره ، وعورض بأن هذا عند قيام الدليل على ذلك ، وههنا قام الدليل بأن وضوءه لم يكن لأجل الحدث وهو قوله : " تنام عيناي ولا ينام قلبي " وحينئذ يكون تجديد وضوئه لأجل طلبه زيادة النور حيث قال : " الوضوء نور على نور " . فإن قلت : ما وجه المناسبة بين الترجمة والحديث ؟ أجيب : من جهة أن مضاجعة الأهل في الفراش لا تخلو من الملامسة غالبًا . وعورض بأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقبِّل بعض أزواجه ثم يصلي ولا يتوضأ . رواه أبو داود والنسائي ، وأجيب : بأن المذهب الجزم بانتقاضه به كما قاله الأستاذ النووي رحمه الله ، ولم يرد المؤلف أن مجرد نومه ينقض لأن في آخر هذا الحديث عنده في باب التخفيف في الوضوء ، ثم اضطجع فنام حتى نفخ ثم صلىّ ، ويحتمل أن يكون المؤلف احتج بفعل ابن عباس المعبّر عنه بقوله : فصنعت مثل ما صنع بحضرته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . واستنبط من هذا الحديث استحباب التهجّد وقراءة العشر الآيات عند الانتباه من النوم وأن صلاة الليل مثنى ، وهو من خماسياته ورجاله مدنيون ، وفيه التحديث بصيغة الإفراد والجمع والإخبار والعنعنة ، وأخرجه المؤلف أيضًا في الصلاة وفي الوتر والتفسير ومسلم في الصلاة وأبو داود ، وأخرجه ابن ماجة في الطهارة . 37 - باب مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ إِلاَّ مِنَ الْغَشْيِ الْمُثْقِلِ هذا ( باب من لم يتوضأ إلا من الغشي المثقل ) لا من الغشي غير المثقل وليس المراد من توضأ من الغشي المثقل لا من سبب آخر من أسباب الحدث ، والغشي : بفتح الغين وسكون الشين المعجمتين ضرب من الإغماء إلا أنه أخف منه والثقل بضم الميم وكسر القاف صفة للغشي . 184 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنِ امْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ عَنْ جَدَّتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا قَالَتْ : أَتَيْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ يُصَلُّونَ ، وَإِذَا هِيَ قَائِمَةٌ تُصَلِّي . فَقُلْتُ : مَا لِلنَّاسِ ؟ فَأَشَارَتْ بِيَدِهَا نَحْوَ السَّمَاءِ وَقَالَتْ : سُبْحَانَ اللَّهِ . فَقُلْتُ : آيَةٌ ؟ فَأَشَارَتْ أَىْ نَعَمْ . فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلاَّنِي الْغَشْيُ ، وَجَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأْسِي مَاءً . فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : « مَا مِنْ شَىْءٍ كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إِلاَّ قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا حَتَّى الْجَنَّةِ وَالنَّارِ " . وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَىَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ - مِثْلَ أَوْ قَرِيبًا مِنْ - فِتْنَةِ الدَّجَّالِ ( لاَ أَدْرِي أَىَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ ) يُؤْتَى أَحَدُكُمْ فَيُقَالُ له : مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ ( أَوِ الْمُوقِنُ ، لاَ أَدْرِي أَىَّ ذَلِكَ قَالَتْ : أَسْمَاءُ ) فَيَقُولُ : هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى ، فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا . فَيُقَالُ : نَمْ صَالِحًا ، فَقَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا . وَأَمَّا الْمُنَافِقُ ( أَوِ الْمُرْتَابُ ، لاَ أَدْرِي أَىَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ ) فَيَقُولُ : لاَ أَدْرِي ، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ . وبالسند قال : ( حدّثنا إسماعيل ) بن أبي أُويس ( قال : حدّثني ) بالإفراد وفي رواية ابن عساكر حدّثنا ( مالك ) هو ابن أنس الإمام ( عن هشام بن عروة ) بن الزبير بن العوّام القرشي ( عن امرأته فاطمة ) بنت المنذر بن الزبير بن العوّام ( عن جدّتها أسماء بنت أبي بكر ) الصدّيق وهي زوجة الزبير بن العوّام ، وفي بعض النسخ عن جدّته بتذكير الضمير وهو صحيح لأن أسماء جدّة لهشام ولفاطمة كليهما لأنها أم أبيه عروة كما أنها أم المنذر أبي فاطمة ( أنها قالت ) : ( أتيت عائشة زوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين خسفت الشمس ) بفتح الخاء والسين أي ذهب ضوءها كله أو بعضه ( فإذا الناس قيام يصلون ، وإذا هي ) أي عائشة رضي الله عنها ( قائمة تصلي فقلت : ما للناس ؟ فأشارت ) عائشة ( بيدها نحو السماء وقالت ) وفي رواية أبي ذر فقالت : ( سبحان الله ! فقلت آية ) هي أي علامة لعذاب الناس : ( فأشارت ) عائشة برأسها ( آن ) ولكريمة أي ( نعم ) وهي الرواية المتقدمة في باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس وهما حرفا تفسير قالت أسماء : ( فقمت حتى تجلاني ) بالجيم أي غطاني ( الغشي ) من طول تعب الوقوف ( وجعلت أصب فوق رأسي ماء ) مدافعة للغشي ، وهذا يدل على أن حواسها كانت مدركة وإلاّ فالإغماء الشديد المستغرق ينقض الوضوء بالإجماع ، ( فلما انصرف رسول الله - صَلَّى اللَّهُ